الشيخ الطبرسي

190

تفسير جوامع الجامع

( يُسَبِّحْنَ ) حَالٌ ، واختيرَ على " مسبِّحَات " وإنْ كانَ في معنَاهُ لِيَدُلَّ على حدوثِ التَّسبيحِ من الجبالِ حَالاً بَعْدَ حَال . وكانَ داودُ إذا سَبَّحَ جاوَبَتْهُ الجبالُ بالتَّسبيحِ ، واجتَمَعَتْ إليهِ الطيرُ فَسَبَّحَتْ ، فَذلِكَ حَشْرُهَا : كلُّ واحد من الجبالِ والطَّيْرِ ( لَهُ ) لأَجْل داودَ ، اي : لأَجْلِ تَسبيحِهِ ؛ لأنَّهَا كانَتْ تُسَبِّحُ بتَسْبيحِهِ وُضِعَ " الأوَّاب " مَوضِعَ " المُسَبِّح " إمَّا لأنّها كانَتْ تُرجِّعُ التَّسبيحَ ، والمُرجِّعُ : رَجَّاعٌ لأنَّهُ يَرْجعُ إلى فِعْلِهِ رجُوعَاً بَعْدَ رجُوع ، وإمَّا لأنَّ " الأوَّاب " وهو التَّوَّابَ يكْثِرُ الرُّجُوعَ إلى مَرْضَاةِ اللهِ ويُديمُ تَسبيحَهُ وذِكْرَه ، وقيلَ : الضَّميرُ في ( لَهُ ) " للهِ " أي : كُلٌّ مِن داودَ والجبالِ والطَّيْرِ للهِ مسبِّحٌ يُرجِّعُ التَّسبيح ( 1 ) . ( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ) قوَّينَاهُ ( وَءَاتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ ) وَهِيَ الزَّبُورُ وعِلْمُ الشَّرائعِ ، وقيلَ : كلُّ كلام وافَقَ الحقَّ فَهُو حِكْمة ( 2 ) ، و ( فَصْلَ الْخِطَابِ ) فَصْلٌ بمعنى : مَفْصُولٌ ك‍ " ضَرْبِ الأَمير " ، وهو الكَلامُ البيِّنُ المُلَخَّصُ الَّذي تَبيَّنَهُ مَن يُخاطَبُ بهِ ولا يَلْتَبِسُ عليهِ ، أَو بمعنى : " فَاصِلٌ " ك‍ " صوم " و " زور " ، أي : الفَاصِلُ من الخطابِ الذي يَفْصُلُ بين الحقِّ والبَاطِلِ ، والصَّحيحِ والفَاسِدِ ، وهو كَلامُهُ في القَضَايا والحكُوماتِ وتَدابِير الْمُلْكِ . وعن عليٍّ ( عليه السلام ) : هو قَولُهُ : " البيِّنةُ علَى المُدَّعي واليَمينُ عَلَى المدَّعى عليه " ( 3 ) ، وهو من الفَصْلِ بين الحقِّ والباطلِ ، ويَدخُلُ فيهِ قَولُ بَعضِهِم : هو قَولُهُ : " أمَّا بَعْد " . ( وَهَلْ أَتكَ نَبَؤُاْ الْخَصْمِ ) ظاهِرُهُ الاستفهامُ ، وَمَعْنَاهُ : الدَّلالةُ على أنَّهُ من الأنباءِ العَجِيبَةِ التي حَقُّها أن لا تُخفَى ، والخَصْمُ : الخُصَمَاءُ ، وهُوَ يَقَعُ علَى الواحدِ

--> ( 1 ) قاله الجبائي . راجع التبيان : ج 8 ص 550 . ( 2 ) حكاه الزمخشري في الكشّاف : ج 4 ص 80 . ( 3 ) رواه عنه ( عليه السلام ) الزمخشري في الكشّاف .